الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

171

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )

وقد استدلّ للقول الأوّل - أي وجوب دفع مثله من الخلّ مثلًا - بأنّه أقرب الأشياء إليه . وإن شئت قلت : انتفاء الجزئي - وهو المشار إليه بزعمه أنّه الخلّ - لا يوجب انتفاء الكلّي ؛ لوجود الكلّي في ضمن الجزئي . وأمّا دليل القول الثالث - وهو قيمة الخمر والخنزير عند مستحلّيهما - فهوأيضاً بحكم الأقربية ؛ لأنّ قيمتهما عندهم أقرب من مهر المثل ، فقد يكون‌مهر المثل أضعافاً مضاعفة ، أو يكون الخمر والخنزير بالنسبة إلى مهر المثل كذلك . ويمكن التفصيل بين القولين : بأنّه إذا كان بطلان المهر بسبب اشتباه الخلّ بغيره ، أو ما ليس بملك له بما هو ملك له ، فاللازم قيمة مماثله من الخلّ وغيره ، وإن كان السبب عدم كونه مالًا عند المسلمين ، فاللازم ملاحظة قيمته عند مستحلّيه . وهذا القول وإن كان مخالفاً للمشهور ، ولكنّ الإنصاف أنّه أقرب إلى مقصود الزوجين ، ومهر المثل قد يكون بعيداً منه جدّاً ؛ بسبب القلّة ، وقد يكون بعيداً بسبب الكثرة ، فعلى الأقلّ يحتاط بالتصالح بينه وبين مهر المثل . والحاصل : أنّه فرق بين المفوّضة التي لم يذكر لها مهر ، وبين من ذكر لها مهر ، ولكن وقع الاشتباه في تعيين مصداقه ، وأشباهه ؛ ففي الأوّل يمكن اختيار مهرالمثل لها ، ولا يكون بعيداً عن قصد الزوجين ، ولكن في الثاني ليس كذلك . مثلًا قد يجعل المهر داراً قيمتها مائة ألف دينار ، ثمّ ينكشف أنّ المهر باطل ؛ لأنّها ملك لغيره ، مع أنّ مهر المثل يكون عشرة آلاف مثلًا ، فكيف يمكن إلزام الزوجة بقبولها مع أنّ الحكم يجري على قواعد العقلاء ؟ ! فلا شكّ في أنّ الأقرب ملاحظة قيمة الدار وجعلها مداراً للمهر ، وكذلك إذا كان الأمر بالعكس ، واللَّه العالم . * * *